الغزالي
172
إحياء علوم الدين
أخاك حاجة فلم يقضها ، فذكره ثانية فلعله أن يكون قد نسي ، فإن لم يقضها فكبر عليه ، واقرأ هذه الآية * ( والْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ الله ) * « 1 » وقضى ابن شبرمة حاجة لبعض إخوانه كبيرة ، فجاء بهدية فقال ما هذا ؟ قال لما أسديته إليّ . فقال خذ مالك عافاك الله ، إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها ، فتوضأ للصلاة ، وكبر عليه أربع تكبيرات ، وعده في الموتى . قال جعفر ابن محمد . إني لأتسارع إلى قضاء حوائج أعدائي ، مخافة أن أردهم فيستغنوا عنى . هذا في الأعداء ، فكيف في الأصدقاء ؟ وكان في السلف من يتفقد عيال أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة ، يقوم بحاجتهم ، ويتردد كل يوم إليهم ، ويمونهم من ماله ، فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا عينه . بل كانوا يرون منه ما لم يروا من أبيهم في حياته . وكان الواحد منهم يتردد إلى باب دار أخيه ، ويسأل ويقول : هل لكم زيت ؟ هل لكم ملح ؟ هل لكم حاجة ؟ وكان يقوم بها من حيث لا يعرفه أخوه . وبهذا تظهر الشفقة والاخوة فإذا لم تثمر الشفقة حتى يشفق على أخيه كما يشفق على نفسه ، فلا خير فيها . قال ميمون ابن مهران : من لم تنتفع بصداقته ، لم تضرك عداوته ، وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « ألا وإنّ لله أواني في أرضه وهي القلوب فأحبّ الأواني إلى الله تعالى أصفاها وأصلبها وأرقّها » أصفاها من الذنوب ، وأصلبها في الدين ، وأرقها على الاخوان وبالجملة فينبغي أن تكون حاجة أخيك مثل حاجتك ، أو أهم من حاجتك ، وأن تكون متفقدا لأوقات الحاجة ، غير غافل عن أحواله ، كما لا تغفل عن أحوال نفسك . وتغنيه عن السؤال ، وإظهار الحاجة إلى الاستعانة . بل تقوم بحاجته كأنك لا تدري أنك قمت بها ولا ترى لنفسك حقا بسبب قيامك بها ، بل تتقلد منة بقبوله سعيك في حقه ، وقيامك بأمره ولا ينبغي أن تقتصر على قضاء الحاجة ، بل تجتهد في البداية بالإكرام في الزيادة ، والإيثار والتقديم على الأقارب والولد . كان الحسن يقول : إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا وإخواننا يذكروننا بالآخرة . وقال الحسن : من شيع أخاه في
--> « 1 » الأنعام : 36